حيدر حب الله
187
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
بعد أن اطلعنا موجزا على بنية التقسيم الجديد للحديث الذي جاء مع العلامة الحلي وأستاذه ابن طاوس ، لا بدّ أن نعرف هل كان العلامة مؤسّس هذا التقسيم في الثقافة الشيعية أم أنّ هذا التقسيم كان موجودا قبل العلامة ، غاية ما في الأمر أنّ العلامة قام بإعادة صياغة له أو فلنقل بتنظيم نظري له لا غير ، بحيث كان هذا التقسيم ملحوظا عند الأجيال السابقة بما فيها جيل المفيد والمرتضى والطوسي ؟ وتهمّنا هذه المسألة ، لأن حداثة هذا التنويع تعني دخول الفكر الشيعي في مرحلة جديدة مع العلامة وابن طاوس في نظرية السنّة مهّد لها ابن إدريس ، أمّا إذا كان رائجا من قبل فلن تصحّ هذه النتيجة ، ومن ثم ستخضع قراءتنا التاريخية لمعطيات من نوع آخر ، إذا ، فنحن لا نبحث هنا حداثة التقسيم من زاوية درائية حديثية ، بل من زاوية منهجية أصولية ، لأنّ ظهور هذا التقسيم مع ابن طاوس معناه تكوّن منهاج جديد في العقل الشيعي ورؤية جديدة لنظرية السنّة . والذي لاحظناه أنّ هناك شهرة واسعة للفكرة التي تقول بأنّ هذا التقسيم جديد لم يكن موجودا قبل ابن طاوس ، فقد أجمع التيار الأخباري على هذه المسألة « 1 » ، بل صرّح التيار المساند للعلامة في هذا التقسيم بعدم تداوله قبل ابن طاوس ، محاولا تقديم مبرّرات لهذه الخطوة الجديدة ، لأنّ التيار الأخباري - كما سنرى لاحقا - حاول أن يجعل حداثة هذا التقسيم مأخذا على أنصار مدرسة العلامة الحلّي ، ورغم أنّ أنصار هذه المدرسة كانوا يؤمنون بهذا التقسيم لكنّهم لم يحاولوا ادّعاء سبقه على العلامة ، بل أقرّوا بهذه الحقيقة ، متّخذين طريقا آخر للدفاع عنه ، مما يعني أن مبدأ حداثة هذا التقسيم كان شبه واضح لدى الأطراف كافّة . من هنا ، وجدنا الشيخ حسن بن الشهيد الثاني ( 1011 ه ) - أحد زعماء هذا التقسيم - يؤكّد في « منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان » الذي أعدّه خصيصا على أساس هذا التقسيم نفسه كما يظهر من عنوانه . . يؤكّد أنّ القدماء لم يفرّقوا « بين صحيح الطريق وضعيفه ، ولا ميّزوا بين سليم الإسناد وسقيمه ، اعتمادا منهم في الغالب على القرائن المقتضية لقبول ما دخل فيه الضعف في طريقه » « 2 » ، مستشهدا لتأكيد اعتماد المتقدّمين على نظام القرائن بنصوص للشيخ الطوسي والسيّد المرتضى « 3 » . ولا يكتفي الشيخ حسن بالنص صراحة مرّة أخرى على أنّ مصطلح الصحّة عند
--> ( 1 ) - ستأتي كلمات الأخباريين بالتفصيل لاحقا ، عند الحديث عن موقفهم من التقسيم الجديد . ( 2 ) - الشيخ حسن ، منتقى الجمان 1 : 2 و 14 . ( 3 ) - المصدر نفسه : 2 - 3 .